عالم يهيمن عليه مستخدمو اليد اليمنى
معظم سكان العالم يستخدمون اليد اليمنى، لذلك كثيرون لا يدركون حجم التحديات التي يواجهها من يعتمدون على اليد اليسرى في عالم صُمِّم في الأساس لليمنى. على مرّ السنين أُجريت دراسات عديدة عن الآثار البيولوجية والنفسية لاستخدام اليد اليسرى، بل وحتى عن دوره المحتمل في التطور البشري.
يرى بعض الباحثين أن الأشخاص العُسْر يميلون أكثر إلى الاستقلالية لأنهم اعتادوا التكيّف مع بيئة وأدوات موجهة بالدرجة الأولى لمستخدمي اليد اليمنى. بينما ربطت خرافات قديمة بين استعمال اليد اليسرى وبين السحر أو الشياطين، وصل أحيانًا إلى اعتبار الأعسر “شريكًا للشيطان”.
ورغم أن العُسْر غالبًا ما يضطرون لاستخدام أدوات مصممة لليمنى – مثل المقصات أو الآلات الموسيقية أو المعدات المدرسية – فإن هناك مجموعة كبيرة من الحقائق المدهشة عنهم لا يعرفها كثير من الناس. الحقائق التالية عن مستخدمي اليد اليسرى ستجعلك تنظر إليهم من زاوية مختلفة تمامًا.

حقائق مثيرة عن الأشخاص الذين يستخدمون اليد اليسرى
الأشخاص العُسْر فئة مميزة تستحق بعض الإضاءة. فيما يلي أبرز وأغرب المعلومات عن مستخدمي اليد اليسرى التي قد تسمع بها لأول مرة:
1. يشكلون نحو 12٪ من سكان العالم
- تشير الإحصاءات إلى أن:
- حوالي 12٪ من البشر عُسْر اليد،
- 87٪ يستخدمون اليد اليمنى،
- ونحو 1٪ فقط يُعتبَرون ثنائيّي اليد (يتقنون استعمال اليدين معًا).
هذه النسبة لم تكن ثابتة عبر التاريخ؛ فمع زيادة تقبّل المجتمع لليد اليسرى ارتفعت نسبة العُسْر تدريجيًا. في القرن التاسع عشر، مثلًا، كان يُنظَر إلى الأعسر على أنه “منحرف” أو “مرتبط بالشر”، وتُقدَّر نسبة العُسْر آنذاك بحوالي 2٪ فقط.
ما زالت بعض الدول إلى اليوم تحاول إجبار الأطفال على الكتابة باليد اليمنى، لكن الاتجاه العام عالميًا أصبح أكثر انفتاحًا. كما تختلف نسبة مستخدمي اليد اليسرى بين الدول وبين الجنسين قليلًا.
2. يوم عالمي خاص بمستخدمي اليد اليسرى
- يحتفل العالم بـ اليوم العالمي لليد اليسرى في 13 أغسطس من كل عام.
- أُطلِق هذا اليوم أول مرة عام 1992 في المملكة المتحدة من قبل “نادي مستخدمي اليد اليسرى”.
يهدف هذا اليوم إلى:
- الاحتفاء بالعُسْر وتسليط الضوء على إنجازاتهم،
- والتوعية بالمشكلات التي يواجهونها في عالم يفضل اليد اليمنى في معظم الأدوات والتصاميم.
3. رؤساء دول عُسْر
عدة رؤساء أمريكيين معاصرين كانوا يستخدمون اليد اليسرى، من بينهم:
- جيرالد فورد
- جيمي كارتر
- رونالد ريغان
- جورج بوش الأب
- بيل كلينتون
- جورج بوش الابن
- باراك أوباما
- دونالد ترامب
- جو بايدن
هذا الحضور البارز للعُسْر في أعلى المناصب السياسية كثيرًا ما يُستشهد به عند الحديث عن تميّزهم.
4. قدرة مميزة على معالجة المعلومات (وارتباطها بالذكاء)
يمتلك كثير من العُسْر تنظيمًا دماغيًا مغايرًا للمعتاد؛ فبدل أن تُحصر المعالجة اللغوية في نصف دماغ واحد كما يحدث غالبًا لدى مستخدمي اليد اليمنى، يمكن للدماغ لدى بعض العُسْر أن يستخدم كلا النصفين لمعالجة المعلومات اللفظية.
-
لدى الغالبية من مستخدمي اليد اليمنى:
- النصف الأيسر مسؤول عن اللغة،
- والنصف الأيمن عن المعالجة البصرية-المكانية.
-
أما لدى العديد من العُسْر:
- يمكن توزيع معالجة اللغة على الجانبين بدرجات مختلفة.
هذا النمط “غير المتجانس” من تنظيم الدماغ قد يمنح بعضهم قدرة أكبر على التعامل مع كميات كبيرة من المعلومات وربطها، وهو ما ربطته بعض الدراسات بمستويات أعلى من الإبداع أو حل المشكلات، وإن كانت نتائج الأبحاث في هذا المجال ليست حاسمة تمامًا.
5. تعافٍ أسرع نسبيًا بعد السكتة الدماغية
تؤثر السكتات الدماغية التي تصيب نصف الدماغ الأيسر عادةً في مركز اللغة:
- حوالي 95٪ من مستخدمي اليد اليمنى يتحكم النصف الأيسر من الدماغ بلغتهم.
- بينما لدى العُسْر لا يتجاوز هذا الرقم حوالي 70٪، إذ تكون مراكز اللغة موزعة بصورة أوسع أو في النصف الأيمن لدى نسبة منهم.
لهذا السبب يظهر في بعض الإحصاءات أن نسبة أكبر من المرضى الذين يستعيدون قدراتهم اللغوية بعد السكتة الدماغية هم من مستخدمي اليد اليسرى، لأن وظائف اللغة لديهم أقل “تمركزًا” في منطقة واحدة معرضة للتلف.
6. قابلية أعلى للإصابة بالحساسية وأمراض المناعة الذاتية
في كتاب بحثي بعنوان “Cerebral Dominance: The Biological Foundations” أشارت دراسة إلى أن:
- الأشخاص العُسْر أكثر عرضة للإصابة بالحساسية بمقدار يصل إلى 11 ضعفًا مقارنةً بمستخدمي اليد اليمنى.
- كما لاحظت الدراسة أن العُسْر أكثر احتمالًا للإصابة ببعض أمراض المناعة الذاتية بحوالي 2.5 مرة، مثل:
- التهاب القولون التقرّحي،
- التهاب المفاصل الروماتويدي.
هذه النتائج ما زالت بحاجة للمزيد من الأبحاث لتأكيدها، لكنها تُظهِر ارتباطًا مثيرًا بين تفضيل اليد وبعض الحالات الصحية.
7. أفضلية واضحة في بعض الرياضات
يتمتع مستخدمو اليد اليسرى بميزة تنافسية في عدد من الرياضات، منها:
- المبارزة
- الملاكمة
- التنس
- البيسبول
- وبعض اختصاصات السباحة
السبب بسيط: معظم الرياضيين معتادو اللعب والتدريب مع خصوم يستخدمون اليد اليمنى. عندما يواجهون لاعبًا أعسر، تختلف الزاوية والحركة والإيقاع، مما يربك أداءهم.
-
في البيسبول مثلًا:
- يكون الضارب معتادًا على الكرات القادمة من رامي يميني.
- وعندما يواجه راميًا أعسر تتغيّر زاوية الرمي، فيزداد احتمال الخطأ.
-
في التنس:
- تُظهِر الإحصاءات أن حوالي 40٪ من أفضل اللاعبين في العالم يستخدمون اليد اليسرى، وهي نسبة أعلى بكثير من نسبتهم في عموم السكان.
8. عرضة أكبر للصداع النصفي
في الدراسة العلمية نفسها التي تناولت الحساسية، وُجد أيضًا أن مستخدمي اليد اليسرى:
- أكثر احتمالًا للإصابة بالصداع النصفي بما يقارب الضعف مقارنةً بمستخدمي اليد اليمنى.
لا تزال الأسباب غير محسومة، وقد ترتبط باختلافات في البنية العصبية أو في طريقة معالجة الدماغ للألم والحوافز الحسية.
9. تفوق في أداء المهام المتعددة
أظهرت بيانات جُمعت عام 2008 من “مجمع أبحاث إلينوي” أن طريقة تعامل الدماغ مع الذاكرة والمهام تختلف بين العُسْر واليُمْن.
في تجارب طُلب فيها من المشاركين أداء مهمتين في وقت واحد، حقق مستخدمو اليد اليسرى نتائج أفضل في المتوسط. ويُفسَّر ذلك بأن:
-
مستخدمي اليد اليمنى يميلون إلى:
- تفكيك المشكلة إلى أجزاء صغيرة،
- ثم تحليل كل جزء على حدة وبالتسلسل.
-
بينما يميل كثير من العُسْر إلى:
- النظر إلى المشكلة ككل متكامل،
- الاعتماد على التعرف على الأنماط وربطها لحلها.
هذه الإستراتيجية قد تجعلهم أكثر كفاءة في تنسيق عدة مهام متزامنة.
10. ميول فنية وإبداعية أعلى
النصف الأيمن من الدماغ – المرتبط في كثير من النماذج التقليدية بالخيال والإبداع والفنون – يكون أكثر نشاطًا أو سيطرة لدى شريحة من مستخدمي اليد اليسرى، ولذلك:
- يُلاحَظ أن كثيرًا من الفنانين، والموسيقيين، والمصممين، يميلون لاستخدام اليد اليسرى.
- غالبًا ما يفضّل العُسْر المعلومات المرئية والصور والخرائط الذهنية على النصوص الطويلة.
هذا لا يعني أن كل أعسر فنان بالضرورة، لكنه يشير إلى ميل عام نحو التفكير الإبداعي والتصويري.
11. احتمال أكبر لمعاناة اضطرابات الحركة أثناء النوم
استخدام اليد اليسرى قد يرتبط أيضًا بجودة النوم:
- اضطراب حركة الأطراف الدوري (PLMD) هو حالة تتحرك فيها الأطراف لا إراديًا خلال النوم.
- في دراسة أجريت عام 2011 بعنوان
“Assessment of Periodic Limb Movements in Right-handed Versus Left-handed Patients”
وُجد أن:- 69٪ من المشاركين من مستخدمي اليد اليمنى أظهروا حركات ثنائية في الأطراف أثناء النوم،
- مقابل نسبة مرتفعة بلغت 94٪ من مستخدمي اليد اليسرى.
هذا قد يفسر لماذا يشتكي بعض الشركاء من الركل أو الحركة الزائدة في الفراش عندما يكون الطرف الآخر أعسر!
12. استخدام أكبر للنصف الأيمن من الدماغ
الدماغ البشري “متقاطع الأسلاك”:
- النصف الأيمن يتحكم أساسًا في الجانب الأيسر من الجسم،
- والنصف الأيسر يتحكم في الجانب الأيمن.
لهذا نشأ التعبير الشائع:
“العُسْر دائمًا في عقولهم اليُمنى”!
النصف الأيمن يُنسَب إليه تقليديًا:
- معالجة الإبداع،
- إدراك الموسيقى والفنون،
- التفكير الحدسي،
- المعالجة البصرية-المكانية.
ومع أن أبحاثًا أحدث – مثل دراسة أُجريت عام 2018 في جامعة واشنطن بعنوان
“Unilateral, 3D Arm Movement Kinematics Are Encoded in Ipsilateral Human Cortex” – تشير إلى أن توزيع المهام بين نصفي الدماغ أكثر تعقيدًا مما كنا نظن، فإن العلاقة بين استخدام اليد اليسرى ونشاط النصف الأيمن لا تزال قائمة في كثير من النماذج العلمية.
من المهم الإشارة إلى أن هذه الدراسة شملت أربع حالات فقط، لذلك ما زال المجال مفتوحًا أمام مزيد من الأبحاث لفهم العلاقة بدقة بين الدماغ واليد المهيمنة.
13. فوبيا من كل ما هو “يسار”
هناك نوع من الرهاب الغريب يُسمى “Sinistrophobia”، وهو خوف من الأشياء المرتبطة بالجانب الأيسر، بما في ذلك الأشخاص الذين يستخدمون اليد اليسرى.
هذا الرهاب نادر، لكنه يعكس الإرث الطويل من الصور السلبية التي ألصقتها بعض الثقافات بكل ما يرتبط باليسار.
14. صعوبة نسبية في لَفّ اللسان
أحد الأبحاث تناول حتى القدرة على لفّ اللسان (حركة طيّ اللسان على شكل أنبوب):
- تبين أن:
- حوالي 62.8٪ من مستخدمي اليد اليسرى يستطيعون لفّ ألسنتهم،
- مقابل 74.8٪ من مستخدمي اليد اليمنى.
السبب غير واضح، لكنه يظهر أن الاختلافات بين العُسْر واليُمْن تمتد أحيانًا إلى مهارات جسدية دقيقة وغير متوقعة.
15. سمعة “شريرة” في التاريخ والثقافة
ارتبطت اليد اليسرى تاريخيًا بصور سلبية في ثقافات مختلفة حول العالم. كثيرًا ما وُصِف الأعسر بأنه:
- ضعيف،
- منحوس،
- فاسد أو “غير مستقيم”،
- وأحيانًا مقرون بالشر أو السحر.
الكلمة الإنجليزية “sinister” (بمعنى شرير) مشتقة من الكلمة اللاتينية “sinister” التي تعني “اليسار”. هذا الارتباط اللغوي يوضح كيف نُظر لليد اليسرى على أنها “غير محمودة” في عصور سابقة.
اليوم تغيّر هذا التصور إلى حد كبير، لكن ظلاله اللغوية والثقافية ما زالت حاضرة في كثير من التعبيرات.
16. بلوغ متأخر قليلًا… ادعاء بلا دليل قوي
تنتشر على الإنترنت “حقيقة” مفادها أن الأشخاص العُسْر يصلون إلى سن البلوغ متأخرين عن أقرانهم من مستخدمي اليد اليمنى بنحو 4 إلى 5 أشهر في المتوسط.
لكن:
- لا توجد دراسات علمية موثوقة وواسعة النطاق تؤكد هذا الادعاء.
- لم تُوثَّق مراجع قوية تدعمه في الأدبيات العلمية المعروفة.
لذلك يُفضَّل التعامل مع هذه المعلومة بحذر شديد، إلى أن تظهر أبحاث جادة تثبتها أو تنفيها بشكل قاطع.
17. أسطورة أنهم يعيشون 9 سنوات أقل من مستخدمي اليد اليمنى
ربما صادفت الادعاء الشائع بأن الأشخاص العُسْر يعيشون في المتوسط تسع سنوات أقل من مستخدمي اليد اليمنى. هذه المعلومة منتشرة بكثرة، لكنها مبنية على دراسة قديمة مثيرة للجدل:
- خلال ثمانينيات القرن الماضي، أُجريت دراسة على نحو 1000 شخص متوفى في كاليفورنيا.
- لاحظ الباحثون آنذاك أن متوسط عمر الوفيات من مستخدمي اليد اليسرى بدا أقل من مستخدمي اليد اليمنى.
لاحقًا تبيّن أن الدراسة تعاني من عيوب منهجية كبيرة، من أهمها:
- اختلاف نسب العُسْر بين الأجيال (حيث كان يتم قمع استخدام اليد اليسرى في الماضي)،
- وأن اختيار العينة لم يكن ممثلًا للسكان بشكل عادل.
مع تحسن أساليب البحث، لم يُعثَر على دليل مقنع يثبت أن الأعسر يعيش عمرًا أقصر لمجرد أنه يستخدم اليد اليسرى. لذلك يُعتبَر هذا الادعاء اليوم أسطورة أُسيء فهمها وانتشرت على نطاق واسع.
في النهاية، يظهر أن كونك أعسر لا يعني فقط التكيف مع مقصات مزعجة أو مقاعد دراسية غير مريحة، بل يرتبط بمجموعة واسعة من السمات العصبية، والسلوكية، والصحية، والثقافية.
الأشخاص الذين يستخدمون اليد اليسرى جزء صغير من السكان، لكن تأثيرهم وفرادتهم أكبر بكثير مما توحي به نسبتهم العددية.


