السرطان وفصيلة الدم: هل يمكن أن تؤثر فصيلة الدم على خطر الإصابة؟
يصيب السرطان ملايين الأشخاص حول العالم، ومع أن لا أحد يملك حصانة كاملة ضده، فإن كثيرين يتساءلون عن العوامل التي قد ترفع أو تخفض احتمالات الإصابة به مع مرور الوقت. ومن المعروف أن العادات اليومية مثل التغذية، والنشاط البدني، والابتعاد عن التدخين، تؤثر بشكل كبير في الصحة العامة. لكن أبحاثًا حديثة بدأت تلفت الانتباه إلى عامل لا يمكن تغييره، وهو فصيلة الدم ضمن نظام ABO، بوصفه عنصرًا قد يرتبط بدرجات متفاوتة من خطر بعض أنواع السرطان.
وقد تناولت دراسات واسعة النطاق وتحليلات شاملة هذه العلاقة، وكشفت عن أنماط لافتة للنظر. والخبر الجيد هو أن فهم هذه الروابط لا يدعو للقلق، بل يساعد على التركيز أكثر على العوامل القابلة للتعديل التي تدعم الصحة وتقلل المخاطر. والمثير للاهتمام أن هناك فصيلة دم واحدة تظهر في الأبحاث بشكل متكرر بوصفها مرتبطة بانخفاض نسبي في مخاطر عدة أنواع من السرطان. فما هي هذه الفصيلة؟ وماذا تقول الأدلة العلمية فعلًا؟
ماذا تكشف الأبحاث عن العلاقة بين فصائل الدم وخطر السرطان؟
درس العلماء نظام فصائل الدم ABO الذي يشمل الفصائل A وB وAB وO لعقود طويلة، بهدف معرفة ما إذا كان يؤثر في قابلية الإصابة ببعض الأمراض، ومنها السرطان. ومن أبرز النتائج ما ورد في مراجعة منهجية وتحليل تلوي نُشر عام 2014 واستند إلى دراسات رصدية متعددة، حيث ظهرت أنماط واضحة نسبيًا بين بعض الفصائل وأنواع سرطانية معينة.
أظهرت النتائج أن فصيلة الدم A ارتبطت بزيادة طفيفة في خطر الإصابة العام بالسرطان، إذ بلغ معدل الأرجحية المجمّع نحو 1.12 مقارنةً بغير حاملي هذه الفصيلة. في المقابل، بدت فصيلة الدم O مرتبطة بانخفاض في الخطر الكلي، مع معدل أرجحية يقارب 0.84 مقارنةً بغير أصحاب الفصيلة O.

اختلاف التأثير بحسب نوع السرطان
لم تكن العلاقة واحدة في جميع أنواع السرطان، بل اختلفت باختلاف موضع الورم، ومن أبرز الأنماط التي ظهرت:
- سرطان البنكرياس: الفصائل غير O، أي A وB وAB، ارتبطت غالبًا بمعدلات خطر أعلى، بينما ظهرت الفصيلة O كخيار أقل ارتباطًا بهذا الخطر.
- سرطان المعدة: ارتبطت الفصيلة A بارتفاع في الخطر، في حين بدت الفصيلة O ذات تأثير وقائي نسبي.
- سرطان الثدي والقولون والمبيض وأنواع أخرى: تكررت اتجاهات مشابهة في عدد من الدراسات، حيث ظهرت الفصيلة O في كثير من الأحيان مرتبطة بخطر أقل مقارنة ببعض الفصائل الأخرى.
كما دعمت دراسات جماعية أخرى هذه الملاحظات، ومنها دراسة كبيرة في تايوان شملت أكثر من 339 ألف شخص، حيث ظهرت فروق في بعض أنواع السرطان بين الفصائل المختلفة، مع ملاحظة أن الفصائل غير O ارتبطت أحيانًا بزيادة خطر سرطان البنكرياس، بينما بدت الفصيلة O أكثر فائدة نسبيًا في بعض السياقات. كذلك أشارت أبحاث مرتبطة بجامعة هارفارد عام 2009 إلى أن حاملي الفصيلة O كانت لديهم أقل معدلات خطر للإصابة بسرطان البنكرياس مقارنةً بحاملي الفصائل A وB وAB.
ملاحظة مهمة: الارتباط لا يعني الحتمية
من الضروري فهم أن هذه النتائج تعكس ارتباطات إحصائية على مستوى السكان، وليست أحكامًا قاطعة على الأفراد. فحتى عندما تظهر فروق بين الفصائل، فإنها غالبًا ما تكون محدودة نسبيًا، كما أن خطر الإصابة بالسرطان طوال الحياة يتأثر بدرجة أكبر بكثير بعوامل مثل:
- العمر
- الوراثة
- نمط الحياة
- العوامل البيئية
لذلك، لا يمكن اعتبار فصيلة الدم عاملًا حاسمًا بمفرده، بل هي جزء صغير من صورة صحية أشمل.
لماذا قد ترتبط فصيلة الدم O بمخاطر أقل في بعض السرطانات؟
لفهم هذه العلاقة، يجب النظر إلى طبيعة نظام ABO نفسه. فهذا النظام يعتمد على وجود مستضدات، وهي جزيئات سكرية موجودة على سطح خلايا الدم الحمراء وأنسجة أخرى في الجسم. ويمكن لهذه المستضدات أن تتفاعل مع:
- بكتيريا الأمعاء
- مسارات الالتهاب
- بعض العدوى التي قد تسهم في تطور السرطان
على سبيل المثال:
- بكتيريا Helicobacter pylori، المرتبطة بقرحة المعدة وسرطانها، قد تلتصق بسهولة أكبر بمستضدات الفصيلة A، وهو ما قد يفسر جزئيًا ارتفاع خطر سرطان المعدة لدى بعض حاملي هذه الفصيلة.
- في سرطان البنكرياس، قد يكون للالتهاب أو للتفاعلات الميكروبية دور مشابه، ما قد يجعل الفصيلة O أقل ارتباطًا بالخطر.

ما الذي يميز فصيلة الدم O؟
الفصيلة O لا تحمل مستضدات A أو B، ويقترح بعض الباحثين أن غياب هذه المستضدات قد يخلق بيئة أقل ملاءمة لبعض العمليات البيولوجية المرتبطة بنشوء السرطان. ومع ذلك، فهذا لا يعني أن أصحاب الفصيلة O محميون بالكامل، بل إن الخطر يظل قائمًا، كما أن العوامل الأخرى تظل أكثر تأثيرًا وأهمية.
مقارنة سريعة بين أبرز ما توصلت إليه الدراسات
استنادًا إلى التحليلات التلوية والمراجعات الكبرى، يمكن تلخيص الاتجاهات العامة على النحو الآتي:
-
فصيلة الدم O
- ارتبطت بانخفاض نسبي في خطر عدة أنواع من السرطان، منها:
- سرطان المعدة
- سرطان البنكرياس
- سرطان الثدي
- سرطان القولون والمستقيم
- سرطان المريء
- سرطان البلعوم الأنفي
- ارتبطت بانخفاض نسبي في خطر عدة أنواع من السرطان، منها:
-
فصيلة الدم A
- ارتبطت بزيادة نسبية في خطر بعض السرطانات، مثل:
- سرطان المعدة
- سرطان البنكرياس
- سرطان الثدي
- سرطان المبيض
- وأنواع أخرى
- ارتبطت بزيادة نسبية في خطر بعض السرطانات، مثل:
-
فصيلتا الدم B وAB
- أظهرتا نتائج متباينة:
- في بعض الحالات ارتبطتا بزيادة خطر سرطان البنكرياس
- وفي حالات أخرى لم يظهر فرق واضح
- أو ظهرت معدلات أقل في أنواع محددة من السرطان
- أظهرتا نتائج متباينة:
وتزداد موثوقية هذه الأنماط لأنها مستمدة من تجميع آلاف الحالات عبر دراسات متعددة، لكن مع ذلك تبقى النتائج الفردية مختلفة من شخص لآخر.
كيف تحمي صحتك مهما كانت فصيلة دمك؟
رغم أنك لا تستطيع تغيير فصيلة دمك، فإنك تستطيع التحكم في عوامل أكثر أهمية وتأثيرًا في خطر الإصابة بالسرطان. وهذه مجموعة من الخطوات العملية التي يدعمها الخبراء الصحيون:
-
اتباع نظام غذائي متوازن
- ركّز على الفواكه والخضروات والحبوب الكاملة والبروتينات قليلة الدهون.
- هذا النمط الغذائي يساعد على دعم المناعة وتقليل الالتهاب.
-
ممارسة النشاط البدني بانتظام
- احرص على ما لا يقل عن 150 دقيقة أسبوعيًا من التمارين متوسطة الشدة مثل المشي السريع أو ركوب الدراجة.
- الحركة المنتظمة تساعد على الحفاظ على وزن صحي وتقلل خطر عدة أنواع من السرطان.
-
الامتناع عن التدخين
- التبغ من أكبر العوامل المعروفة المسببة للسرطان.
- الإقلاع عنه أو تجنبه كليًا من أهم الخطوات الوقائية.
-
تقليل استهلاك الكحول أو الامتناع عنه
- الحد من الكحول يساهم في تقليل خطر أنواع متعددة من الأورام.
-
إجراء الفحوصات الدورية الموصى بها
- مثل:
- تنظير القولون
- تصوير الثدي
- الفحوصات المناسبة للعمر والتاريخ العائلي
- الكشف المبكر يرفع فرص العلاج والنجاة بشكل كبير.
- مثل:
-
إدارة التوتر والنوم الجيد
- التوتر المزمن وسوء النوم قد يؤثران بشكل غير مباشر في المناعة والصحة العامة.
-
معرفة التاريخ المرضي للعائلة
- إذا كان في العائلة تاريخ مع السرطان، فمن المهم مناقشة ذلك مع الطبيب للحصول على تقييم شخصي ونصائح مناسبة.

هذه العادات تفيد الجميع
اللافت أن هذه الخطوات ليست مخصصة لفئة معينة أو لفصيلة دم محددة، بل إنها تفيد الجميع، ويمكن أن تصنع فرقًا حقيقيًا بمرور الوقت. وحتى لو كانت هناك علاقة بين فصيلة الدم وخطر بعض السرطانات، فإن السلوك اليومي الصحي يبقى العامل الأقوى في الوقاية.
الخلاصة: المعرفة تمنحك قدرة أكبر على حماية صحتك
تشير الأبحاث إلى أن فصيلة الدم O قد تكون مرتبطة بانخفاض نسبي في خطر الإصابة بعدة أنواع من السرطان مقارنةً بالفصائل A وB وAB، وخاصة في حالات مثل سرطان البنكرياس وسرطان المعدة وبعض الأنواع الأخرى. لكن، ورغم أهمية هذه النتائج، فإنها لا تمثل سوى جزء من المشهد الكامل.
يبقى الأهم هو التركيز على ما يمكنك التحكم فيه فعليًا، مثل:
- الأكل الصحي
- النشاط البدني المنتظم
- الفحوصات الوقائية
- تجنب العادات الضارة
فصيلة الدم قد تكون عنصرًا مثيرًا للاهتمام، لكنها ليست إلا قطعة واحدة من لغز أكبر يتعلق بصحتك العامة.
الأسئلة الشائعة
هل فصيلة الدم O تحمي من جميع أنواع السرطان؟
لا. الارتباطات التي رصدتها الدراسات تتعلق بأنواع محددة مثل سرطان البنكرياس أو المعدة، وحتى في هذه الحالات فإن الانخفاض في الخطر يكون محدودًا نسبيًا. لا توجد أي فصيلة دم تزيل احتمال الإصابة بالسرطان تمامًا.
هل يجب أن أجري فحص فصيلة الدم إذا كنت قلقًا من السرطان؟
عادةً لا تُستخدم فصيلة الدم وحدها كأداة لتقييم خطر السرطان. الأفضل هو التحدث مع الطبيب حول:
- التاريخ العائلي
- نمط الحياة
- الفحوصات المناسبة لك
هل يمكن لنمط الحياة الصحي أن يتغلب على تأثيرات فصيلة الدم؟
نعم. تشير الأدلة بقوة إلى أن العادات الصحية مثل التغذية السليمة، وممارسة الرياضة، والامتناع عن التدخين، تؤثر في الوقاية من السرطان بدرجة أكبر بكثير من تأثير الارتباطات المتعلقة بفصيلة الدم.


